التسمية

اللسانيات، العربية، التعليم العالي، تسويق وشركات.

آخر الموضوعات:

اللسانيات التداولية:


من الفلسفة التحليلية خرجت اللسانيات التداولية، للنظر في اللغة من حيث استعمالاتها، (( فلا تكون اللغة إلا مقترنة بشكل حياة، لا لأن اللغة تواضع بين مستعمليها يتطور عبر الزمن بحسب الحاجة والمحيط، بل لأن غرض اللغة هو ذاته مؤسسة لا تنجز على انفراد ولو مرة واحدة، هذا التعالق بين اللغة والمؤسسة الاجتماعية يجعل الحالات النظرية التي يخضعها ل.ف للدرس ضمن اللسانيات التداولية، وما اللجوء إلى أمثلة الأوامر والأسئلة إلا لإخراج اللغة من اعتبارها وسيلة إخبار وتواصل فحسب، بينما هي فعل وعمل وممارسة اجتماعية))[1].
وقد جاءت التداولية لتؤكد على أهمية الظفر بالمعنى، فقد جاء "جون سيرل" ليقول:  ((إذا كان السؤالان التقليديان في فلسفة اللغة هما:
o         كيف ترتبط اللغة بالواقع؟
o         وما المعنى؟
فإن السؤال الآن هو التالي:
o         كيف نصل من خلال الأصوات التي نصدرها إلى الفعل التمريري؟
أعتقد أن سؤالي في أعماقه، والسؤالين التقليديين سؤال واحد بعينه، لأن السؤال: كيف نصل من الصوت إلى نمط الفعل التمريري؟ هو في الحقيقة السؤال نفسه: كيف يضفي العقل المعنى على العلامات والأصوات المجردة؟ وستعطينا الإجابة عن هذا السؤال تحليلا لمفهوم المعنى نستطيع استعماله لتفسير الكيفية التي ترتبط بها اللغة بالواقع))[2].
لذا ارتبطت التداولية بتحليل وتفسير ما يقصده الناس من كلامهم، وليس بما تحمله الألفاظ في عباراتهم فالتداولية:[3]
-                  هي دراسة المعنى الذي يقصده المتكلم.
-                  و هي دراسة المعنى السياقي.
-                  و هي دراسة كيفية إيصال أكثر مما يقال.
-                  و هي دراسة التعبير عن التباعد النسبي.
ومن هنا يكون وصول المعنى للمخاطَب هو الهدف من تفعيل اللغة عبر التخاطب، ((فالتداولية ليست علما لغويا محضا، بالمعنى التقليدي، علما يكتفي بوصف وتفسير البنى اللغوية ويتوقف عند حدودها وأشكالها الظاهرة، ولكنها علم جديد للتواصل يدرس الظواهر اللغوية في مجال الاستعمال، ويدمج من ثم مشاريع معرفية متعددة في دراسة ظاهرة التواصل اللغوي وتفسيره))[4].
وهذه المشاريع المعرفية المتعددة انبثق عن كل فرع منها مفهوم من المفاهيم الكبرى للتداولية وأهم هذه المفاهيم: الاستلزام الحواري، القصدية، الافتراض المسبق، الحجاج، نظرية الملاءمة، نظرية الأفعال الكلامية.
فمصادر التداولية متعددة بتعدد مباحثها، ((فقد وضع أوستين وتلميذه سيرل نواة التداولية في حقل فلسفة اللغة العادية، إذ طورا من وجهة نظر المنطق التحليلي مفهوم "العمل اللغوي"...حيث كان أوستين أول من بعث نظرية "الأعمال اللغوية"))[5]، فليس للدرس التداولي المعاصر مصدر واحد انبثق منه، ولكن تنوعت مصادر استمداده، إذ لكل مفهوم من مفاهيمه الكبرى حقل معرفي انبثق منه، فالأفعال الكلامية مثلا مفهوم انبثق من الفلسفة التحليلية، وكذلك مفهوم نظرية المحادثة الذي انبثق من فلسفة "بول غرايس"، أما نظرية المحادثة فقد ولدت من رحم علم النفس المعرفي[6].
لقد نشأت التداولية في أجواء معرفية انكبت على دراسة اللغة، وفتحت فضاءات لدراسة ظواهر دلالية وتداولية كانت توسم بأنها مهملة أو مهمشة، إذ تم الانتقال من الإرث السوسيري وتأثيرات المدرسة البنوية على اللغة إلى بروز اللسانيات التداولية وما صاحبها وانبثق عنها من اتجاهات لسانية وظيفية أعطت الدرس اللغوي روحا جديدة لم يألفها من قبل بطريقة ممنهجة وعلمية[7].
ويمكن أن تلخص مهام التداولية في:
§                   دراسة استعمال اللغة بدلا من دراسة بنية اللغة (( التي تحولت مع البنويين إلى علم تجريدي مغلق ذي إجراءات داخلية خالصة يؤمن بكيانية البنية اللغوية في مستواها الصوري المجرد... في حين أن دراسة استعمال اللغة لا تنحصر ضمن الكينونة اللغوية بمعناها البنيوي الضيق، وإنما تتجاوزها إلى أحوال الاستعمال في الطبقات المقامية المختلفة حسب أغراض المتكلمين وأحوال المخاطبين))[8].
§                   التوليف بين اللغة والتواصل والإدراك بتقريب المفاهيم بين علم اللغة وعلم النفس المعرفي.
§                   تفسير جوانب الاستدلال في معالجة التواصل الشفوي "الملفوظات".
§                   ربط شروط نجاح الملفوظ وأسس التفاعل الإبلاغي ببنية الخطاب وتفسيره.
وبشكل عام يمكن القول أن الأنشطة التداولية تدرس مكونات التخاطب، والعناية بشروط الأقوال اللغوية كي تكون ملائمة للموقف التواصلي، فالجانب التداولي يضم أثر المتلقي والموقف وهدف النص والمقام ونوع المعلومة المطروحة وأنواع التفاعل، وأشكال السياقات وكيفية التواصل وغير ذلك مما يختص بالعلاقة بين العلامات ومستعملي هذه العلامات[9].
وقبل أن ننهي الحديث عن مناهج البحث اللغوي لدى الغرب لا بد أن ننوه بأن هذه المناهج يخدم بعضها بعضا ويأخذ بعضها من بعض في مناقشة وتحليل الكثير من القضايا اللغوية، (( فالمحلل لما يجري على مستوى البحث اللغوي سيلاحظ بدون شك سرعة تعاقب النظريات وكثرة المصطلحات وكثرة المفاهيم، ولكن رغم هذا الاختلاف في الرؤى وأحيانا الصراع بين المدارس فهناك مكتسبات على مستوى المنهج والمفهوم لا يمكن إنكارها، فمفاهيم مثل الفونيم والصفات المميزة والدليل اللغوي والمورفيم والوظائف اللغوية والمحور الخطي والمحور التعويضي... لا يمكن لأي مدرسة من المدارس أن تستغني عنها))[10].



[1]) لودفيك فتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، ترجمة: عبد الرزاق بنور، المنظمة العربية للترجمة، لبنان، الطبعة الأولى، 2007، ص 90.
[2]) جون سيرل، العقل واللغة والمجتمع، ترجمة سعيد الغانمي، منشورات الاختلاف، الجزائر، الطبعة الأولى، 2006، ص 204/205.
[3]) جورج يول، التداولية، ترجمة: قصي العتابي، الدار العربية للعلوم ناشرون، لبنان، الطبعة الأولى، 20010، ص 19/20.
[4]) صحراوي مسعود، التداولية عند العلماء العرب، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى، 2005، ص 16.
[5]) فيليب بلانشية، التداولية من أوستين إلى غوفمان،ترجمة: صابر الحباشة، دار الحوار، سوريا، الطبعة الأولى،2007، ص20.
[6]) صحراوي مسعود، التداولية عند العلماء العرب، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى، 2005، ص 17.
[7]) البستاني بشرى، التداولية في البحث اللغوي والنقدي، مؤسسة السياب، لندن، الطبعة الأولى، 2012، ص 36.
[8]) صحراوي مسعود، التداولية عند العلماء العرب، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى، 2005، ص 28.
[9]) البستاني بشرى، التداولية في البحث اللغوي والنقدي، مؤسسة السياب، لندن، الطبعة الأولى، 2012، ص 38.
[10]) حركات مصطفى، اللسانيات العامة وقضايا العربية، المكتبة العصرية، بيروت، الطبعة الأولى، 1998، ص113.

ليست هناك تعليقات