التسمية

اللسانيات، العربية، التعليم العالي، تسويق وشركات.

آخر الموضوعات:

الاتجاه الوظيفي في اللسانيات البنوية:


- الوظيفية البنـــــــــوية: مدرسة براغ: رأينا في الفصل الأول من هذا الباب أن علم اللغة البنوي قد تزعمه دي سوسير فأرسى قواعده في علم اللسانيات، فهو أول من دعا في محاضراته إلى دراسة اللغة من منظور علمي بحت متبعا لذلك المنهج الوصفي الذي يبحث في قوانين اللغة ونظامها بعيدا عن المعيارية أو الفيلولوجيا. لقد كانت محاضرات دي سوسير دفعة قوية لحركية الدراسات اللغوية الغربية، فتعددت الرؤى والنظريات التي انبثقت عنها مدارس لسانية مختلفة أهمها: - مدرسة جنيف مع شارل بالي وشاسهاي. - المدرسة الروسية مع كارسفسكي. - مدرسة براغ مع تروبتسكوي وآخرون. - مدرسة كوبنهاقن مع هلمسليف. - مدرسة لندن مع فيرث وآخرون. - مدرسة أندري مارتيني. غير أن ما يهمنا من هذه المدارس هو تلك الرؤى اللسانية التي كان لها توجه وظيفي، وإذا أردنا أن نفصّل في المدارس اللسانية ذات المنحى الوظيفي لا بد أن نذكّر بأن دعوات دي سوسير ومحاضراته تزامنت مع نشر "بواس" لكتابه "الدليل HANDBOOK" في الولايات المتحدة ، وتزامنت أيضا مع نشر التشيكي "ماتيزيوس" دعوته الأولى لمنهج جديد غير تاريخي، هذا الأخير سبق له التدريس في جامعة "كارولين" في "براغ" حيث استطاع أن يجمع حوله نخبة من العلماء ممن كانوا يشاركونه أفكاره فبدأ هؤلاء عقد اجتماعات دورية منذ عام 1926 ومن ثم أطلق عليهم اسم "مدرسة براغ" . أصبح هذا النادي فيما بعد يعرف بالمدرسة الوظيفية، أو المدرسة الفونيمية، وهي تضم عددا من الباحثين الكبار فمن أقطابها: تروبتسكوي، وجاكبسون، وكارسفسكي، وهولر من النمسا، والفرنسي أندري مارتيني... وغيرهم، وقد كان لأفكار دي سوسير الأثر الكبير في بروز هذا الاتجاه اللساني الذي تميز ((بدراسة نظام اللغة الكلي بمستوياته المختلفة النحوية والصوتية والصرفية والدلالية دراسة وظيفية محضة)) ، فقد حلل لسانيو هذا الاتجاه اللغة بهدف إبراز الوظائف التي كانت تؤديها مكوناتها البنوية المختلفة في استعمال اللغة بأجمعها، لأنهم تجاوزوا التأمل والوصف إلى غاية أخرى هي السؤال عن الغاية من الحدث اللغوي والبحث عن التفسير الموضوعي المقبول، وهذا ما ميز حلقة براغ عن غيرها من المدارس الوصفية، ((أما علماء مدرسة براغ فكانوا ينظرون إلى اللغة كما ينظر المرء إلى محرك محاولا أن يفهم الوظائف التي تؤديها أجزاؤه المختلفة وكيف تحدد طبيعة جزء معين طبيعة الأجزاء الأخرى)) . وسميت هذه المدرسة بالمدرسة الوظيفية لأن الباحث فيها يحاول دائما أن يكتشف ما إذا كانت كل القطع الصوتية التي يحتوي عليها النص تؤدي وظيفة في التبليغ أم لا، يعني أنه يبحث عن القطع التي تلعب دورا هاما في التمييز بين المعاني . أسست مدرسة براغ لما عرف باسم الصوتيات الوظيفية، (( ويتولى هذا الفرع من اللسانيات الحديثة دراسة المعنى الوظيفي للنمط الصوتي ضمن نظام اللغة الشامل، واستخراج كل الفونيمات وضبط خصائصها وتحديد كيفية توزيع ألفوناتها)) . إن دراسة اللغة وظيفيا تعني في نظر الوظيفيين البحث عن الوظائف التي تؤديها في المجتمع أثناء تواصل أفراده، فالباحث يسعى إلى الكشف عن القطع الصوتية التي تؤدي وظيفة داخل التركيب، أي إنه يبحث عن ما يمكنه إحداث تغييرات على مستوى المعنى، وقد تولد هذا الاتجاه عن الأعمال التي اهتمت بدراسة الظاهرة الصوتية ضمن الصوتيات الوظيفية "الفونولوجيا"، ويعنى هذا التحليل الوظيفي بتحديد المميزات الصوتية الفارقة في لغة من اللغات، ووضع النظام الفونيمي للغة، ونظام الخصائص التي تعرض للفونيمات، والفونولوجيا بهذا المعنى وضع أسسها جماعة من اللغويين أشهرهم جاكبسون وتروبتسكوي الذي قدم في كتابه "مبادئ الفونولوجيا" ((مناهج تحليل السمات القطعية والفوقطعية، ودراسات حول الفونولوجيا الإحصائية، والفونولوجيا التاريخية،... واعتنى بمفهوم الفونيم...بقوله: إن الفونيم هو أولا وقبل كل شيء مفهوم وظيفي)) . وعن وظيفة الأصوات اللغوية ميّز تروبتسكوي بين مظاهر أساسية للدراسة الفونولوجية هي:  الوظيفة التمثيلية للغة " الفونولوجيا".  الوظيفة التعبيرية والوظيفة الندائية، الأسلوبية الصوتية، وهي دراسة الوظيفة التعبيرية للأصوات الكلامية.  وظيفة الانفعال وهي التي تؤثر في السامع . ومن الإنجازات الوظيفية لمدرسة براغ تطوير ماتيزيوس "لمنظور الجملة الوظيفي" بتمييزه بين المسند إليه والمسند، حيث ((يرى ماتيزيوس أن الجملة تنقسم إلى قسمين: الموضوع ويدل على شيء يعرفه السامع لأنه غالبا ما يذكر في الجمل السابقة، والخبر ويدل على حقيقة جديدة تتعلق بالموضوع المذكور، وبعبارة أخرى فالموضوع هو الاسم الذي تخبر عنه الجملة أو الكلمة التي هي محور الكلام في جملة ما، والخبر هو كل ما يقال عن موضوع الكلام، وعادة ما يسبق الموضوع الخبر إلا إذا كان الغرض التوكيد على بعض أجزاء الجملة)) ، والمقصود بالموضوع هنا المسند إليه، والمقصود بالخبر المسند أو المخبر عنه فنحن عندما نصوغ عباراتنا فلا نصوغها تبعا لما نريد أن نبلغه للسامع فحسب، ولكن تبعا لما يعرفه مسبقا وتبعا لسياق الحديث الذي بنيناه حتى تلك اللحظة، ومن هنا تقسم الجملة إلى قسمين الأول معروف لدى السامع وهو المسند إليه، والثاني هو المسند وهو ما ينص على حقيقة جديدة تتناول ذلك الموضوع المحدد . يبدو أن المنظور الوظيفي للجملة خطوة كبيرة للتوجه نحو الوظيفية، فهو يقترب من أحد أهم المفاهيم الكبرى للتداولية ونعني بذلك متضمنات القول وبالخصوص الافتراض المسبق ((وهو أحد عناصر التداولية حيث يوجه المتكلم حديثه إلى السامع على أساس ما يفترض سلفا أنه معلوم له)) . ومع لساني آخر هو جاكبسون يمكن أن نتلمس بعض مظاهر الوظيفية، فقد كان رائدا في توضيح مبادئ الفونولوجيا التاريخية، وألح جاكبسون على أن ((الطابع الوظيفي للغة يجب أن يشمل ليس الحالة الآنية للغة فحسب بل الحالة التاريخية أيضا، وذلك من خلال دراسة التطور اللغوي عبر العصور، أو دراسة حالة معينة للغة في وقت ما سواء تعلق الأمر بوصف تطور هذه الحالات أم إعادة بناء اللغة الأم والعدول عن وضع حواجز بين الآنية والتزامنية)) ، وانصرف هو الآخر إلى الاهتمام بتحليل الفونيمات إلى سماتها المكونة بدلا من اهتمامه بتوزيعها، ((ويتمثل جوهر منهج جاكبسون في علم الأصوات الوظيفي في فكرته التي تقول إن هناك نظاما نفسيا بسيطا نسبيا ومنتظما وكليا من الأصوات تحت الخضم الفوضوي الذي يضم شتى أنواع الأصوات التي يلحظها عالم الأصوات)) . وقبل أن نمر لمدرسة وظيفية أخرى لا يفوتنا أن ننوه بأن تروبتسكوي وجاكبسون قد ميزا بين الفونولوجيا والفونيتيك أي علم الأصوات اللغوية في المؤتمر اللغوي الأول الذي عقد في لاهاي سنة 1928 مدرسة لندن: يعود تاريخ الدراسات اللغوية في بريطانيا إلى القرن الحادي عشر الميلادي، حين فرضت الظروف السياسية والاقتصادية آنذاك اختيار اللغة الإنجليزية لغة رسمية لإنجلترا على حساب اللغات "الويلزية" و"الإسكتلندية" ، وازدهرت في إنجلترا جوانب مختلفة للسانيات العملية وكان من ضمن نشاطاتها: تنظيم اللفظ الصحيح وتعليمه، وإصلاح التهجئة "نظام الكتابة"، واختراع نظام الاختزال،...فكان لهذه الدراسات أثرها في نشر ثقافة البحث في القضايا اللغوية . ومن القضايا اللغوية التي انكب لغويو هذه المدرسة على دراستها "الصوتيات"، فقد اهتم "هنري سويت" بالدراسات الصوتية وكانت له إسهامات في تنظيم الكتابة الصوتية وعلاقتها بإصلاح التهجئة وتعليم اللغات ، فقد بنى دراساته على فهم مفصل لحركة الأعضاء الصوتية، حتى قيل عن كتابه دليل الصوتيات الذي ألفه سنة 1877 ، قيل أنه علّم أوربا الصوتيات، وجعل من إنجلترا مهدا لهذا العلم الحديث . وعلى خطى "هنري سويت" سار "دانيال جونز" مركزا على أهمية تلقين المتعلمين المهارات العملية المتعلقة بإدراك الأصوات المختلفة والنطق بها بصفة سليمة وكتابتها برموز صوتية دقيقة، حيث أصبح لتدريب الأذن في الصوتيات دور كبير في المقررات الجامعية البريطانية، والاهتمام الدقيق بالتفاصيل الصوتية . لكن أهم النظريات اللسانية في بريطانيا والتي وصفت بالوظيفية هي النظرية السياقية التي ترتكز على المعنى من خلال السياق ، وأول من حاول أن يؤسس نظرية سياقية متكاملة في موضوع السياق هو "جون فيرث" (1890-1960)، ليجعل بذلك من اللسانيات دراسة علمية متميزة في بريطانيا، فقد تقدم فيرث برؤية جديدة في مفهوم الدلالة في علم اللغة الحديث تبنته مدرسته المعروفة بالألسنية الاجتماعية ، ((ومعنى الكلمة عند أصحاب هذه النظرية هو استعمالها في اللغة، أو الطريقة التي تستعمل بها، أو الدور الذي تؤديه، ولهذا يصرح فيرث بأن المعنى لا ينكشف إلا من خلال تسييق الوحدة اللغوية أي وضعها في سياقات مختلفة)) . وقد انصبت اهتمامات فيرث على:
  المكون الاجتماعي: اعتبار اللغة ظاهرة اجتماعية يلزمنا بدراستها بوصفها جزءا من المسار الاجتماعي وشكل من أشكال الحياة الإنسانية، وليس كمجموعة من العلامات الاعتباطية أو الإشارات .  التحليل اللغوي: أكد فيرث على توازي العلاقات الركنية بين عناصر البنية على المستوى الصوتي والصرفي والنحوي، والعلاقات الاستبدالية للمفردات ضمن الأنظمة، والعلاقات الموقفية الموجودة ضمن سياق الموقف، والعلاقات بين مفردات اللغة ومكونات الموقف غير اللفظية ، وهذا التوازي بين السياقات الداخلية الشكلية وبين السياقات الخارجية للموقف قال به أيضا لوفيك فتغنشتاين بقوله: ((هناك عمليتان في استخدام اللغة، الأولى خارجية تتمثل في التعامل مع العلامات والثانية داخلية تتمثل في فهم تلك العلامات وتكمن مهمة الفيلسوف في إحباط ألاعيب اللغة والتفطن لأفخاخ النحو في مستويي الاستعمال الداخلي والخارجي)) . 
 الدلالة: يعادل فيرث بين معنى الكلمة ومجموعة السياقات اللفظية التي ترد فيها، حيث ((تقوم نظرية فيرث السياقية على إعادة الاهتمام بالأحوال والمحيط الذي يتضمن الأحداث الكلامية، فالقول إن الإدراك اللغوي والمعرفي يحصلان عندما تنتقل الأفكار من رأس المتكلم إلى السامع ليس سوى خرافة مضللة)).
  الصوتيات الوظيفية: بحث فيرث في وظيفة الصوت باعتباره أهم مستوى من مستويات التحليل اللغوي،(( إن المعنى عند الأستاذ فيرث كل مركب من مجموعة من الوظائف وأهم عناصر هذا الكل هو الوظيفة الصوتية، ثم المورفولوجية والنحوية والقاموسية، والوظيفية الدلالية لسياق الحال ولكل وظيفة من هذه الوظائف منهجها الذي يراعى عند دراستها)) . من هنا تبنَّى فيرث فكرة سياق الحال التي جاء بها مالينوفيسكي ثم طورها في دراسته اللغوية، فسياق الحال عند فيرث نوع من التجريد من البيئة أو الوسط الذي يقع فيه الكلام وهذا التجريد يقوم به اللغويون للوفاء بدراستهم. وقبل أن ننهي الحديث عن فيرث لا بد أن نشير إلى تقارب نظرية فيرث السياقية وما جاءت به فلسفة فتغنشتاين الذي يقول : ((ليس للكلمة معنى إلا في الاستعمال اللغوي)) ،وقد بدا هذا واضحا فيما سبق ذكره حول الاستخدام الخارجي والداخلي للغة عند فتغنشتاين والسياقات الداخلية والخارجية عند فيرث.

ليست هناك تعليقات